“العنصرية الرقمية” واستهداف المكون الأمازيغي: عندما تصبح “النكتة” و”التعليق” معولاً لهدم اللحمة الوطنية
إعداد: لجنة الرصد ومناهضة التمييز (INCPAA) التصنيف: التماسك الاجتماعي / مكافحة الكراهية المرجع: Report-HateSpeech-Amazigh-06/25
1. تقديم: العنصرية.. الوجه القبيح للفوضى الرقمية
شكل دستور 2011 محطة تاريخية حاسمة بالمغرب، بإقراره الأمازيغية لغة رسمية ومكوناً جوهرياً للهوية الوطنية الموحدة. لكن، وفي مفارقة صارخة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تيك توك، يوتيوب) في الآونة الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لخطاب كراهية ممنهج، يعيد إنتاج صور نمطية بائدة، ويمارس “العنف الرمزي” ضد المواطنين الناطقين بالأمازيغية، تحت غطاء “الفكاهة” تارة، أو “النقاش التاريخي المغلوط” تارة أخرى.
2. منهجية الرصد (Methodology)
اعتمدت الهيئة في هذا التقرير على رصد دقيق امتد لـ 90 يوماً، شمل عينة من 200 محتوى رقمي (فيديوهات، تدوينات، تعليقات) حققت انتشاراً واسعاً (Viral). تم تحليل المحتوى بناءً على مؤشرات “معجم الكراهية” (Hate Speech Lexicon) وتكرار الصور النمطية، مع قياس حجم التفاعل الجماهيري معها، والذي أظهر تطبيعاً خطيراً مع الخطاب العنصري لدى فئة المراهقين والشباب.
3. تشخيص الظاهرة: أنماط الاستهداف المرصودة
رصدت الهيئة ثلاثة مستويات خطيرة لاستهداف كرامة الإنسان الأمازيغي:
أ. التنميط الطبقي والاجتماعي (ظاهرة “مول الحانوت”)
رصدت الهيئة مئات الفيديوهات (Sketches) التي تحصر الشخصية الأمازيغية (خاصة المنحدرة من سوس) في صورة “البقال البخيل” أو “الإنسان المادي الجشع”.
-
الخطر: هذا ليس فناً، بل هو تنميط عنصري (Racial Profiling) يهدف لتجريد مكون بشري كامل من إنسانيته وثقافته، واختزاله في وظيفة تجارية، مما يغرس في عقول الأطفال صورة دونية عن هذا المكون الشريك في الوطن.
ب. السخرية اللغوية (التنمر على اللهجة)
انتشار محتويات تسخر من طريقة حديث المغاربة الناطقين بالأمازيغية عند تكلمهم بالدارجة (اللكنة).
-
التحليل: هذا السلوك يتجاوز “الدعابة” ليصبح تنمراً لغوياً يسبب عقداً نفسية للأطفال والشباب، ويدفعهم للتنكر لهويتهم ولغتهم الأم خوفاً من السخرية، وهو ما يعد انتهاكاً للحقوق الثقافية.
ج. خطاب الكراهية “الإيديولوجي”
رصد تعليقات تصف الأمازيغ بأوصاف قدحية (مثل “شلوح”، “كرابز”) أو تشكك في وطنيتهم عند رفع العلم الأمازيغي.
-
الخطورة: هذا الخطاب يغذي النعرات الانفصالية ويهدد السلم الأهلي، ويقدم خدمة مجانية لخصوم المملكة الذين يتربصون بضرب وحدة الصف الداخلي.
4. من “الحوار” إلى “القانون”: استنفاد مساعي التسامح
تسجل الهيئة أن الفعاليات الأمازيغية والمجتمع المدني أبدوا سابقاً أقصى درجات ضبط النفس، بل وتم التنازل عن شكايات ودعاوى قضائية سابقة ضد بعض “المؤثرين” أملاً في أن يكون ذلك دافعاً للمراجعة والتصحيح التربوي. إلا أن رصدنا الحالي يؤكد أن سياسة “التسامح” قد فُهمت خطأً على أنها “ضوء أخضر” للاستمرار في الإساءة، وأن بعض الأطراف اعتبرت التنازل ضعفاً وليس حكمة. وعليه، تؤكد الهيئة أن مرحلة “النصح” قد انتهت، لتبدأ مرحلة “تفعيل القانون” بصرامة.
5. الإطار القانوني: جرائم وليست وجهات نظر
تؤكد الهيئة أن هذه الممارسات جرائم مكتملة الأركان:
-
الدستور المغربي: الفصل 5 (رسمية الأمازيغية) والفصل 23 (تجريم التمييز العنصري والكراهية).
-
القانون الجنائي (الفصل 431-1): يعاقب بالحبس والغرامة كل من قام بالتمييز بين الأشخاص بسبب أصلهم الوطني أو الاجتماعي أو لغتهم.
-
قانون الصحافة والنشر: يمنع التحريض على الكراهية.
6. توصيات ومواقف الهيئة
بناءً على خطورة الوضع، تعلن الهيئة الوطنية (INCPAA) ما يلي:
-
التبليغ التلقائي (Zero Tolerance): ستشرع الهيئة في تجميع روابط المحتويات العنصرية وإحالتها دورياً على رئاسة النيابة العامة ومؤسسة الوسيط، لتحريك المتابعات بتهمة “التحريض على التمييز والكراهية”.
-
مسؤولية المنصات الرقمية: مراسلة إدارات (TikTok/Facebook) لإدراج المصطلحات القدحية المستعملة في الدارجة المغربية ضمن خوارزميات الحظر التلقائي.
-
تحذير لصناع المحتوى: نحذر “الكوميديين” والمؤثرين من مغبة الاستمرار في استثمار “الصيغ النمطية العنصرية” لإضحاك الجمهور. الضحك لا يبرر العنصرية، والهيئة ستنتصب كطرف مدني في أي ملف يمس بكرامة المكون الأمازيغي أو غيره من مكونات الهوية الوطنية.
ختاماً: الأمازيغية هي عماد الشخصية المغربية إلى جانب العربية والحسانية. وأي مساس بها هو مساس بالذات الوطنية. الهيئة لن تتساهل مع من يحاولون تفتيت عضد الأمة من خلف الشاشات.
حرر بالرباط لجنة الرصد ومناهضة التمييز – INCPAA جميع الحقوق محفوظة ©