“المرآة المكسورة”: صورة المغرب والهوية الوطنية في الإنتاجات التلفزية.. بين الواقع السوسيولوجي والتمثل الدرامي
إعداد: لجنة الدراسات واليقظة الإعلامية (INCPAA) التصنيف: السيادة الثقافية / السوسيولوجيا الإعلامية المرجع: Report-TV-Image-11/25
وثيقة مرجعية
“المرآة المكسورة”: أزمة التمثل الهوياتي وصورة المغرب في الإنتاجات التلفزية
دراسة تحليلية نقدية للفجوة بين الواقع السوسيولوجي للمملكة وبين الصورة الدرامية المسوقة
1. الملخص التنفيذي (Executive Summary)
يُشكل التلفزيون الوطني، بقطبيه العمومي والخاص، “الراوي الأكبر” للسردية الوطنية، والآلية الأكثر تأثيراً في صياغة الوعي الجمعي وتسويق صورة الدولة.
يرصد هذا التقرير الاستراتيجي، الذي أعدته الهيئة الوطنية لمراقبة الإنتاج السمعي البصري والفني (INCPAA)، وجود فجوة بنيوية (Structural Gap) مقلقة بين الدينامية التحديثية التي يشهدها المغرب (دستورياً، تنموياً، وحقوقياً) وبين الصورة النمطية الجامدة التي تعكسها الدراما الوطنية.
تخلص الوثيقة إلى أن الإنتاج التلفزي لا يزال حبيس “كليشيهات” البؤس، الجريمة، واختزال الهوية، مما يشكل هدراً للرأسمال اللامادي ومساساً بـ الأمن الثقافي للمملكة، ويقدم توصيات عملية لإعادة هندسة المشهد الدرامي بما يخدم السيادة الوطنية.
مؤشر “الفجوة التمثيلية”: الدينامية المجتمعية vs العرض التلفزيوني
رصد التباين بين التطور السوسيولوجي للمغرب (الواقع) وبين الصورة المسوقة درامياً (التمثل)
فجوة حادة (-65%)
الدراما: هيمنة الهشاشة والجريمة
فجوة مرتفعة (-55%)
الدراما: تكرار ثنائية “الضحية/المتسلطة”
فجوة صارخة (-70%)
الدراما: مركزية المحور وتنميط الهامش
مؤشر الشكل 1: مبيان يوضح الفجوة بين التطور السوسيولوجي للمجتمع المغربي والجمود في السردية الدرامية
2. التشخيص المعمق: كيف يُقَدَّم المغرب في تلفزته؟
لا يمكن قراءة الإنتاج الدرامي بمعزل عن السياق السوسيوسياسي. ففي الوقت الذي يراكم فيه المغرب المنجزات لتعزيز مكانته كقوة إقليمية صاعدة، وكبلد للتسامح والحداثة المتجذرة، تأتي الدراما التلفزية لتقدم “سردية مضادة” (Counter-Narrative) غير مقصودة، ولكنها مدمرة، عبر المحاور التالية:
أ
فخ “البؤسية” (Miserabilism) واغتيال الأمل
لقد تحولت “الواقعية” في القاموس الدرامي المغربي إلى مرادف لـ “البؤسية”. يكاد المشاهد لا يرى في الأعمال ذات نسب المشاهدة العالية إلا أحياء الصفيح، الأزقة الضيقة المليئة بالنفايات، صراعات الإرث الدموية، وتجار المخدرات الذين يقدمون كأبطال شعبيين.
- ❌ تغييب الطبقة الوسطى: هناك إقصاء ممنهج للطبقة الوسطى المغربية التي تشكل عماد الاستقرار. أين هو الموظف، المهندس، الطبيب، الأستاذ، والمقاول الشاب؟ غياب هذه النماذج يحرم الشباب من “القدوة الإيجابية” (Role Models) ويرسخ فكرة أن النجاح الاجتماعي مستحيل بالطرق المشروعة.
- ❌ تسويق الإحباط الوطني: هذا التركيز المفرط على “الجانب المظلم” للمجتمع يغذي ما يسميه علماء النفس الاجتماعي بـ “الاكتئاب الوطني” (National Depression)، حيث يصبح المواطن عاجزاً عن رؤية الجمال والفرص في وطنه.
ب
الجغرافيا المبتورة: بين “المركزية” و”الفلكلورة”
تعاني الخريطة الدرامية من اختلال توازن مجالي صارخ يضرب مبدأ “العدالة المجالية” في الإعلام. تكاد تنحصر 90% من الأحداث والحكايات في محور (الدار البيضاء – الرباط)، مما ينتج “مغربين” على الشاشة:
هو فضاء الفعل، الحداثة، الصراع، والثروة. هو المغرب “الوحيد” الذي يراه المشاهد كفضاء للعيش المعاصر.
يشمل الريف، الأطلس، الجنوب الشرقي، والصحراء. هذه المناطق تحضر فقط كخلفية “سياحية” أو “فلكلورية” جامدة، أو كمسرح للقصص التاريخية القديمة، وكأن الزمن قد توقف فيها.
هذا البتر الجغرافي يحرم ساكنة هذه المناطق من حقهم في “رؤية ذواتهم” في إعلامهم العمومي، ويعمق الشعور بالتهميش الرمزي.
ج
العنف الرمزي ضد المرأة والمكون الأمازيغي
رغم دسترة الأمازيغية والتقدم الكبير في مدونة الأسرة وحقوق النساء، لا تزال الدراما تمارس ما سماه بيير بورديو “العنف الرمزي” عبر التنميط:
- المرأة.. سجينــة الثنائية القاتلة: لم تتحرر الكاميرا من ثنائية “المرأة المظلومة الباكية” (التي تستجدي العطف) أو “المرأة المتسلطة الكيدية” (المشعوذة، خربة البيوت). تغيب بشكل شبه كلي صورة المرأة القائدة، السياسية، العالمة، والرياضية، مما يرسخ دونية المرأة في اللاوعي الجماعي للناشئة.
- الأمازيغية.. فخ “اللكنة والوظيفة”: في الأعمال الناطقة بالدارجة، غالباً ما يُسند دور “البقال” أو “الحارس” لشخصية تتحدث بلكنة أمازيغية (سوسية غالباً) مبالغ فيها لإثارة الضحك. هذا تنميط عنصري (Racial Profiling) يفرغ الهوية الأمازيغية من عمقها الحضاري والتاريخي ويحولها إلى مادة للتهريج والاستهلاك الكوميدي الرخيص.
د
أزمة الكوميديا: “الحموضة” كخطر ثقافي
تمثل البرامج الكوميدية، وخاصة “السيتكومات” الرمضانية، الحلقة الأضعف والأخطر في المشهد. الاعتماد على الصراخ، العاهات الجسدية، التنمر، والعنف اللفظي كوسائل للإضحاك، يساهم في “تريف الذوق العام” وتطبيع العنف في العلاقات الاجتماعية. إن غياب “كوميديا الموقف” الذكية واستبدالها بالتهريج هو دليل على أزمة إبداع عميقة وفقر في الكتابة.
3. التداعيات الجيوسياسية على “القوة الناعمة”
⛔ تشويه “Brand Morocco”
الدراما هي سفير يدخل بيوت العرب والأجانب دون استئذان. تصدير صور البؤس، الشعوذة، والتخلف الاجتماعي يضرب الجاذبية السياحية والاستثمارية للمملكة، ويناقض الحملات التسويقية الرسمية (المغرب أرض الأنوار).
⛔ الاغتراب الرقمي للشباب
عندما لا يجد الشاب المغربي نفسه، طموحاته، ولغته ممثلة باحترام في تلفزة بلده، فإنه يهاجر (رقمياً) إلى منصات ومنتجات ثقافية أجنبية (تركية، أمريكية، كورية)، مما يهدد الانتماء الوطني والسيادة الثقافية على المدى البعيد.
4. الجذور الهيكلية للأزمة: لماذا وصلنا إلى هنا؟
لا تحمل الهيئة المسؤولية للمبدعين والممثلين وحدهم، بل تشخص “عطباً في المنظومة” (System Failure) يعود للأسباب التالية:
5. خارطة طريق للإصلاح: من التشخيص إلى المعالجة
إن إصلاح الصورة التلفزية ليس ترفاً فنياً، بل ضرورة أمنية ومجتمعية ملحة. تقترح الهيئة التدابير الاستعجالية التالية:
إعادة هندسة دفاتر التحملات (Cahiers des charges)
ربط الدعم العمومي بمعايير “القيمة المضافة للوطن”، وفرض “كوطا” ملزمة للأعمال التي تبرز التنوع المجالي، وقصص النجاح، والأعمال المقتبسة من الروايات والأدب المغربي لرفع السوية السردية.
إحداث “صندوق السيادة الدرامية”
تخصيص ميزانية لإنتاج أعمال تاريخية واجتماعية ضخمة (High-End Drama)، تخرج من “استوديوهات الدار البيضاء” لتصور في عمق المغرب، وتسوق لصورة المملكة الحديثة والأصيلة عالمياً.
تأهيل كتاب السيناريو (Showrunners)
الأزمة هي أزمة “نص” قبل أن تكون أزمة إخراج. يجب الاستثمار في ورشات الكتابة الجماعية وتطعيمها بخبراء في علم الاجتماع والتاريخ، لخلق جيل جديد من الكتاب المتشبعين بالثقافة العامة.
تفعيل الرقابة البعدية الذكية
توسيع صلاحيات الهيئة العليا (HACA) لتشمل ليس فقط مراقبة التوقيت والإشهار، بل مراقبة “جودة الصورة المجتمعية” ومحاربة التنميط والعنف الرمزي، وإصدار تقارير سنوية حول “صحة الدراما الوطنية”.
“إن المعركة اليوم ليست معركة سلاح، بل معركة صورة وسردية. ومن لا يملك صورته على شاشته، لا يملك سيادته الثقافية الكاملة.”
حرر بالرباط
لجنة الدراسات واليقظة الإعلامية (INCPAA)
جميع الحقوق محفوظة © 2025