انتهاك السيادة التاريخية للمملكة وتزوير الوقائع الجيوسياسية لفتح الأندلس: تفكيك أكاديمي لمغالطات الدراما المشرقية (نموذج الدعوى القضائية ضد مسلسل “فتح الأندلس”)
الجهة المعدة: الهيئة الوطنية لمراقبة الإنتاج السمعي البصري والفني (INCPAA) إشراف: الرئيس رشيد بوهدوز اللجنة المختصة: لجنة الدراسات الاستراتيجية والسيادة الثقافية المرجع: Report-Strategic-Andalus-10/25
1. الملخص التنفيذي: الدراما كأداة لـ “الحرب الهجينة” على الذاكرة
لم يعد مسلسل “فتح الأندلس” مجرد عمل فني يحتمل الصواب والخطأ، بل تحول -عن قصد أو جهل مركب- إلى وثيقة بصرية خطيرة تعيد هندسة الذاكرة الجماعية لخدمة أجندات تسعى لـ “مشرقة” (Orientalization) تاريخ الغرب الإسلامي، وسحب البساط التاريخي من تحت أقدام الدولة المغربية. يرتكز هذا التقرير على تفكيك ثلاث مغالطات جوهرية مست السيادة الوطنية: “تبعية” طارق بن زياد، “هوية” حاكم سبتة يوليان، و”طبيعة” الصراع (مغربي-قوطي) الذي تم تحويله إلى مجرد تنفيذ لأوامر دمشقية.
2. المحور الأول: طارق بن زياد.. من “القائد الحاكم” إلى “المولى التابع”
أ. التزوير الدرامي:
قدم المسلسل طارق بن زياد في صورة “المولى” (بالمفهوم القدحي للتبعية)، الذي لا يتحرك إلا بأمر، ولا يخطط إلا بتوجيه من موسى بن نصير، مجرداً إياه من أي استقلالية في القرار أو الرؤية الاستراتيجية.
ب. الحقيقة التاريخية والأكاديمية:
تؤكد الوثائق التاريخية الرصينة (وعلى رأسها تحقيقات المؤرخين المغاربة والأندلسيين) أن طارق بن زياد لم يكن مجرد قائد عسكري عابر، بل كان حاكماً فعلياً (Governor) لمنطقة طنجة وما حولها (موريتانيا الطنجية).
-
السياق القبلي: طارق ينحدر من قبيلة “نفزة” الأمازيغية العريقة، وكان يستند إلى “عصبية قبلية” قوية (بمفهوم ابن خلدون) هي التي مكنته من حشد جيش قوامه 12 ألف مقاتل. القائد “التابع” لا يستطيع حشد القبائل؛ وحده “الزعيم المحلي” من يملك تلك السلطة.
-
استقلالية القرار: قرار العبور لم يكن مجرد “برقية” من دمشق. كان قراراً جيوسياسياً اتخذه طارق بناءً على معطيات الميدان، وتحالفاته المحلية، واستغلاله للضعف القوطي. تصويره كتابع هو إهانة لمؤسسة الحكم في المغرب الأقصى آنذاك.
3. المحور الثاني: عقدة “يوليان” وسبتة.. فخ السيادة الترابية
أ. التزوير الدرامي (الخطر الداهم):
أظهر المسلسل “يوليان” (Julian) كحاكم قوطي (Goth)، بملابس وملامح وثقافة أوروبية صرفة، مما يوحي ضمنياً بأن مدينة سبتة كانت تحت “السيادة الإسبانية/القوطية” منذ ذلك التاريخ، وأن الوجود المغربي فيها طارئ.
ب. التصحيح الأكاديمي والسيادي:
هذه أخطر مغالطة تمس الوحدة الترابية للمملكة اليوم.
-
هوية يوليان: تشير المصادر التحقيقية إلى أن يوليان كان “غمـارياً” (Ghomari)، أي أمازيغياً من قبائل غمارة التي تستوطن المنطقة، وكان يدين بالمسيحية (على المذهب الآريوسي أو الدوناتية المحلية) ومتحالفاً سياسياً مع القوط، لكنه لم يكن قوطياً.
-
مغربية سبتة التاريخية: يوليان كان “ملكاً” محلياً أو حاكماً مستقلاً لسبتة وطنجة، يمثل الامتداد الطبيعي للسكان الأصليين. تصويره كـ “إسباني” يمنح إسبانيا اليوم “حقاً تاريخياً” مزيفاً في سبتة، وهو ما يخدم السردية الاستعمارية الإسبانية التي تدعي أن سبتة كانت “إسبانية قبل المغرب”.
-
الاستنتاج: يوليان الغماري هو رمز للسيادة المغربية المحلية على الثغور، وتحالفه مع طارق كان “تحالفاً مغربياً داخلياً” ضد القوط.
🔍 جدول الرصد: الدراما vs التاريخ الحقيقي
4. المحور الثالث: طبيعة الصراع.. حرب “مورية-قوطية” وليست مجرد “فتوحات مشرقية”
أ. السردية المستوردة:
حاول العمل تصوير المعركة كأنها امتداد للحروب الأموية في المشرق، حيث الجيوش تتحرك بأوامر “الخليفة” لنشر الدين فقط، مغيباً الديناميات المحلية.
ب. الحقيقة الجيوسياسية:
فتح الأندلس كان في جوهره صراعاً جيوسياسياً إقليمياً (Regional Conflict) بين القوة الصاعدة في الضفة الجنوبية (المور/الأمازيغ المسلمون) وبين القوة المتهالكة في الضفة الشمالية (القوط الغربيون).
-
المكون البشري: الجيش الفاتح كان يتكون بنسبة 99% من الأمازيغ المغاربة (بقيادة طارق). العرب كانوا قلة قليلة جداً في الموجة الأولى. هذا يعني أن الجهد العسكري، الدم، والتخطيط الميداني كان مغربياً خالصاً.
-
الثأر المحلي: الصراع كان مدفوعاً أيضاً برغبة السكان المحليين (بقيادة يوليان) في الانتقام من رودريك (لذريق) الذي اغتصب السلطة (وشرف يوليان حسب الروايات). إنه صراع “مغربي-إسباني” بامتياز، اتخذ صبغة إسلامية، وليس مجرد “تنفيذ لأوامر دمشق”.
5. حيثيات الدعوى القضائية: لماذا لجأنا للمحكمة؟
بناءً على ما سبق، فإن الدعوى التي رفعتها الهيئة لم تكن ترفاً فكرياً، بل استندت إلى الدفوعات القانونية التالية:
-
المساس بالنظام العام التاريخي: التاريخ الوطني هو جزء من النظام العام. تزييفه عبر قناة عمومية (SNRT) هو إخلال بالالتزام الدستوري بصيانة الهوية (تصدير الدستور).
-
الإخلال بدفتر التحملات: القناة الأولى ملزمة بتقديم خدمة إعلامية تحترم “المرجعيات الوطنية”. شراء مسلسل ينسب سبتة للقوط وينزع الريادة عن طارق بن زياد هو خرق لبند “الجودة والمصداقية”.
-
حماية المستهلك المغربي: من حق المواطن (ودافع الضرائب) ألا يتعرض لعملية “غسيل دماغ” تزوّر تاريخ أجداده وتقدمهم كخدم وتابعين.
6. التوصيات والمطالب الختامية
تخلص الهيئة إلى أن التساهل مع مسلسل “فتح الأندلس” قد أسس لسابقة خطيرة، وتوصي بـ:
-
مراجعة سياسة اقتناء الأعمال: منع شراء أي عمل تاريخي يمس المغرب من شركات إنتاج مشرقية دون عرضه على “لجنة المؤرخين المغاربة”.
-
إعادة الاعتبار ليوليان الغماري: تشجيع البحوث والأعمال الفنية التي تبرز هوية يوليان الأمازيغية لدحض السردية الإسبانية حول سبتة.
-
السيادة الدرامية: الدولة مطالبة بإنتاج “الرواية المغربية” لفتح الأندلس، لتصحيح الصورة وتبيان أن الفتح كان “مشروعاً مغربياً بإيديولوجيا إسلامية”، وليس مشروعاً مشرقياً بأيادٍ مغربية.
حرر بالرباط الرئيس: رشيد بوهدوز الهيئة الوطنية لمراقبة الإنتاج السمعي البصري والفني