قطاع حماية الطفولةلجنة اليقظة والرصد

طفولة للبيع: “الكتاب الأسود” لشبكات التسول الرقمي والاتجار بالبشر عبر البث المباشر

المملكة المغربية الهيئة الوطنية لمراقبة الإنتاج السمعي البصري والفني (INCPAA) لجنة اليقظة والرصد | قطاع حماية الطفولة المرجع: REP-2025/09-DarkWebChildren التصنيف: وثيقة استراتيجية / للعموم

من أرصفة الشوارع إلى شاشات الهواتف: تحوّل جريمة الاستغلال

 

لم يعد مشهد “الطفل المستغل” مقتصراً على إشارات المرور أو أبواب المساجد في الليالي الباردة؛ بل انتقلت الجريمة لتتخذ شكلاً أكثر نعومة من حيث المظهر، وأشد توحشاً من حيث الأثر. في الفضاء الرقمي المغربي اليوم، وتحديداً عبر منصات البث المباشر (تيك توك نموذجاً)، نشهد ميلاد “سوق نخاسة جديد”، وقوده براءة أطفال قاصرين، ومحركه جشع أولياء أمور تخلوا عن واجب الرعاية ليتقمصوا دور “المشغِّل القسري”.

هذا التقرير، الذي تضعه الهيئة الوطنية لمراقبة الإنتاج السمعي البصري والفني (INCPAA) بين يدي الرأي العام والجهات القضائية، ليس مجرد رصد لظاهرة عابرة، بل هو تفكيك لبنية “جريمة منظمة” تكتمل فيها أركان الاتجار بالبشر، وتهدد بنسف القيم التربوية لجيل كامل.

تشريح “مسرح الجريمة”: كيف تدار مافيا “اللايفات”؟

 

من خلال رصد دقيق امتد لثلاثة أشهر، وشمل عينة من 50 حساباً نشطاً يحققون أرقام مشاهدات قياسية، وقفت خلية اليقظة بالهيئة على “بروتوكول استغلال” دقيق يتم تنفيذه بدم بارد، ويتخذ ثلاثة أنماط رئيسية:

1. هندسة “الاستجداء العاطفي”: يتم إيقاظ الأطفال في ساعات متأخرة من الليل (ما بين منتصف الليل والرابعة صباحاً)، وهو وقت الذروة للمشاهدات، وحرمانهم من حقهم البيولوجي في النوم. يظهر الطفل أمام الكاميرا وعلامات الإعياء بادية عليه، ليتم تلقينه عبارات “استجداء رقمي” محددة سلفاً: “عفاكم صيفطو الأسد”، “كبسو”، “دعموني باش نربح”. وفي كثير من الحالات التي رصدتها تقنياتنا الصوتية، يُسمع صوت ولي الأمر خلف الكاميرا وهو يوجه الطفل بصرامة أو يوبخه إذا انخفضت وتيرة التفاعل، مما يضع الطفل تحت ضغط نفسي هائل يجعله أشبه بـ “الدمية المتحركة”.

2. المتاجرة بالعجز والمرض: النمط الأكثر قتامة يتمثل في استغلال أطفال في وضعية إعاقة ذهنية أو جسدية، أو مصابين بأمراض ظاهرة. هنا، يتحول العجز إلى “أصل تجاري” (Asset). يتم تسليط الكاميرا عمداً على مواطن الضعف في جسد الطفل لاستدرار شفقة المتابعين وتحويل تلك الشفقة إلى عملات رقمية. في هذا السيناريو، يتم تجريد الطفل من كرامته الإنسانية بالكامل، ويُعرض كـ “معروض في فاترينة” لجمع المال، دون أدنى اعتبار لحالته الصحية أو النفسية.

3. حفلات الإذلال العلني (PK Battles): فيما يسمى بـ “جولات التحدي”، يتم إقحام القاصرين في مواجهات مع راشدين أو أطفال آخرين، تنتهي بتنفيذ “أحكام” على الخاسر. رصدت الهيئة تنفيذ عقوبات مهينة وحاطة بالكرامة الإنسانية على أطفال قاصرين (سكب مواد قذرة، الضرب، الوقوف في وضعيات مؤلمة، إجبارهم على حركات حيوانية)، وكل ذلك تحت أنظار آلاف المتابعين وبمباركة الآباء الذين لا يهمهم سوى عداد “الهدايا”.

اقتصاد الريع الرقمي: لماذا يبيع الآباء أطفالهم؟

 

لا يمكن فهم استشراء هذه الظاهرة دون النظر إلى “المحرك المالي”. تؤكد دراسات الهيئة أن الدافع الرئيسي ليس الفقر المدقع كما يُشاع، بل هو “اقتصاد الريع الرقمي” وسهولة الكسب غير المشروع. إننا أمام دورة مالية متكاملة: يتحول تعاطف المشاهد إلى “هدايا رقمية” (Coins) مشتراة بمال حقيقي، تقتطع المنصة نصيبها (حوالي 50% إلى 70%)، ويذهب الباقي لولي الأمر. وتشير التقديرات إلى أن بعض الحسابات تحقق مداخيل شهرية خيالية تتجاوز رواتب أطر عليا في الدولة، مما يخلق حالة من “الإدمان” لدى الآباء على استغلال أبنائهم، ويجعلهم يرفضون التوقف رغم التحذيرات المجتمعية، لأن الطفل تحول في نظرهم إلى “مشروع استثماري” ناجح.

المجهر القانوني: تكييف الوقائع كجناية “اتجار بالبشر”

 

تؤكد اللجنة القانونية للهيئة الوطنية (INCPAA) أن توصيف هذه الممارسات بـ “التسول” هو توصيف قاصر ولا يحيط بخطورة الفعل. نحن أمام جنايات ثقيلة وفق القانون المغربي:

  • جريمة الاتجار بالبشر (القانون 27.14): ينص الفصل 448-1 من القانون الجنائي بوضوح على أن الاتجار بالبشر يشمل “تجنيد شخص أو استدراجه أو نقله… بغرض الاستغلال”. ويحدد القانون صور الاستغلال لتشمل صراحة “التسول” و “العمل الجبري”. وعليه، فإن استغلال طفل في بث مباشر لجمع المال هو اتجار بالبشر مكتمل الأركان. ويرتفع هذا الفعل إلى درجة الجناية المشددة (عقوبة 20 إلى 30 سنة سجناً) لأن الضحية قاصر، ولأن الجاني هو أحد الأصول (الأب أو الأم) الذي يفترض فيه الحماية لا الاستغلال.

  • التحريض على التسول (الفصل 327): الذي يعاقب كل من سلم قاصراً إلى متسولين أو حرضه على ذلك. في الحالة الرقمية، الأب هو “المحرض”، والمنصة الرقمية هي “الشارع العام”.

  • تعريض القاصر للخطر: عبر حرمانه من النوم، وتعريضه للضغط النفسي، وانتهاك خصوصيته بنشر صور ستبقى وصمة عار تلاحقه طوال حياته (Digital Footprint).

اغتيال المستقبل: الكلفة النفسية والاجتماعية

 

ما لا يدركه المتاجرون بأطفالهم هو أن “المال الفاني” يقابله “دمار دائم” لنفسية الطفل. إن القاصر الذي ينشأ في بيئة ترى في “التسول الإلكتروني” مهنة، تتشوه لديه منظومة القيم؛ فيصبح العمل والاجتهاد والدراسة مفاهيم بلا معنى أمام “الربح السهل”. أخطر من ذلك، هو “التنمر المؤسساتي”؛ فهؤلاء الأطفال يتعرضون لحملات تنمر شرسة في مدارسهم ومحيطهم الاجتماعي بسبب الفيديوهات المنتشرة لهم، مما يدفع الكثيرين منهم إلى الهدر المدرسي والانزواء، ويخلق جيلاً من الشباب المحطم نفسياً والناقم على مجتمعه وأسرته.

خارطة الطريق: نحو تدخل سيادي عاجل

 

بناءً على هذا التشخيص القاتم، تدق الهيئة الوطنية لمراقبة الإنتاج السمعي البصري والفني ناقوس الخطر، وترفع حزمة من الإجراءات الاستعجالية للجهات السيادية:

1. تفعيل “الحق العام” وسحب الحضانة: نناشد رئاسة النيابة العامة إصدار تعليمات صارمة للتحرك التلقائي ضد هذه الحسابات دون انتظار شكايات، واعتبار البث المباشر دليلاً رقمياً للإثبات. كما نطالب قضاء الأسرة بتفعيل مسطرة “سحب الحضانة” (إسقاط الولاية) فوراً من أي ولي أمر يثبت تورطه في المتاجرة بطفله، لانتفاء شرط “الأمانة” و”الرعاية”.

2. المسؤولية الجنائية للمنصات: يجب على الدولة المغربية، عبر مؤسساتها التشريعية والتنفيذية، الضغط على المكاتب الإقليمية للمنصات (مثل TikTok) لفرض خوارزميات تمنع ظهور القاصرين في “بث الهدايا”، وتحميلها جزءاً من المسؤولية القانونية باعتبارها “الوسيط المستفيد” من عائدات الجريمة.

3. “تجفيف المنابع”: وعي المواطن كشريك: توجه الهيئة نداءً لكل مواطن مغربي: إن إرسالك “هدية” أو “دعماً” لحساب يستغل طفلاً ليس كرماً، بل هو تمويل مباشر لجريمة اتجار بالبشر. توقفك عن الدعم يعني توقف “الجدوى الاقتصادية” للجريمة، وبالتالي إنقاذ الطفل.

 

إن أطفال المغرب هم “الرأسمال اللامادي” الحقيقي للمملكة. وحمايتهم من “مقصلة اللايكات” ليست ترفاً حقوقياً، بل هي مسألة سيادة وطنية وأمن مجتمعي. ستظل الهيئة الوطنية (INCPAA) عيناً لا تنام لرصد هذه الانتهاكات، وستنصب نفسها طرفاً مدنياً في كل ملف تُهدر فيه كرامة طفل مغربي.

 

  • تاريخ التقرير: [10 شتنبر 2025] المصدر: الهيئة الوطنية لمراقبة الإنتاج السمعي البصري والفني جميع الحقوق محفوظة © INCPAA 2025

زر الذهاب إلى الأعلى