فوضى “الإحسان الرقمي”: حينما يتحول العمل الخيري إلى “نصب واحتيال” ومنظومة اقتصادية خارج الرقابة
إعداد: لجنة الرصد واليقظة القانونية (INCPAA) التصنيف: الجرائم المالية / الأمن المجتمعي المرجع: Report-Fundraising-05/25
1. تقديم: قرصنة “الرأسمال اللامادي” للمغاربة
يعرف المجتمع المغربي بقيم التضامن والتآزر (تيويزي)، وهي قيم تشكل رأسمالاً لا مادياً يبرز بقوة في الأزمات والحالات الإنسانية. لكن، مع الطفرة الرقمية، تحول هذا الرصيد القيمي إلى “غنيمة” لشبكات منظمة من “تجار المآسي”. يرصد هذا التقرير ظاهرة “جمع التبرعات العشوائي” (Unregulated Fundraising)، حيث يقوم أشخاص ذاتيون (مؤثرون، صفحات مجهولة) بجمع أموال طائلة في حساباتهم البنكية الشخصية بدعوى مساعدة المرضى، دون أي سند قانوني أو رقابة مالية، مما يفتح الباب واسعاً أمام جرائم النصب، الاحتيال، وحتى غسيل الأموال.
2. منهجية الرصد والتحليل
اعتمدت خلية اليقظة بالهيئة في إعداد هذا التقرير على مقاربة رصدية كمية ونوعية دقيقة:
-
العينة: شملت 50 حساباً نشطاً على منصات (Facebook, TikTok, Instagram) خلال الربع الثالث من سنة 2025.
-
المعيار: ركز الرصد على الحسابات التي تنشر نداءات تبرع يومية مرفقة بحسابات بنكية شخصية (RIB)، والتي تجاوزت فيها وتيرة التبرعات التقديرات العادية للحالات الفردية.
-
التحليل: تم إخضاع المحتوى لتحليل الخطاب (Discourse Analysis) وتتبع مسار التبرعات المعلن عنها.
3. تشخيص الظاهرة: أنماط “الاحتيال الإحساني”
كشفت عملية الرصد عن ثلاثة أنماط خطيرة لجمع المال خارج القانون:
أ. فخ “الحساب الشخصي” (The Personal Account Trap)
يقوم “مؤثر” أو صاحب صفحة بنشر فيديو لحالة إنسانية (مريض سرطان، أرملة، حفر بئر..) ويرفق الفيديو بـ رقم حسابه البنكي الشخصي بدلاً من حساب جمعية مرخصة أو حساب المريض نفسه.
-
الخطر: انعدام الشفافية (Traceability). لا توجد أي وسيلة لمعرفة حجم الأموال التي دخلت هذا الحساب، ولا كم منها وصل فعلياً للمحتاج. تشير تقديراتنا إلى أن “الوسيط” قد يقتطع ما يصل إلى 80% من التبرعات كـ “أتعاب غير معلنة”.
ب. نمط “الوسيط المتجول”
أشخاص ينصبون أنفسهم “وسطاء خير”، يجوبون القرى والمستشفيات لتصوير المعاناة والمتاجرة بدموع الناس. يتم تصوير “تسليم قفة” أو مبلغ بسيط وتضخيمه إعلامياً لكسب ثقة المحسنين، لتبدأ بعدها عملية “اكتتاب” مفتوحة ومستمرة دون سقف مالي ودون تاريخ انتهاء.
ج. نمط “القرصنة والتدليس”
رصدت الهيئة حالات لصفحات تقوم بقرصنة صور وفيديوهات لمرضى حقيقيين (أحياناً يكونون قد توفوا أو شفيوا)، ويعيدون نشرها مع أرقام هواتف وحسابات بنكية جديدة للنصب على المتبرعين الذين تحركهم العاطفة.
4. سيكولوجية الاحتيال: “هندسة الاستعطاف”
لا يعتمد هؤلاء “الوسطاء” العشوائيون على الصدفة، بل يمارسون ما يصطلح عليه بـ “هندسة الاستعطاف”. رصدت الهيئة استخدام تقنيات مدروسة لتعطيل التفكير النقدي لدى المتبرع:
-
الموسيقى الحزينة: استخدام مؤثرات صوتية دينية أو درامية للتأثير النفسي الفوري.
-
بورنوغرافيا الألم: التركيز بعدسات مقربة (Zoom) مبالغ فيها على مناطق التشوه الجسدي أو البؤس.
-
عامل الاستعجال: استخدام عبارات ضاغطة مثل “الحالة مستعجلة”، “بقي ساعتان للموت”، لدفع المتبرع لاتخاذ قرار عاطفي سريع بالتحويل المالي.
5. البعد الاقتصادي: اقتصاد الظل وغسيل الأموال
تتجاوز خطورة الظاهرة الجانب الأخلاقي لتصل إلى تهديد الأمن المالي:
-
حجم الأموال المهدورة: تشير تقديرات الهيئة إلى أن هذا القطاع العشوائي يراكم ملايين الدراهم شهرياً، تخرج من جيوب المحسنين لتستقر في حسابات شخصية دون أي تصريح ضريبي.
-
مخاطر غسيل الأموال: إن تدفق أموال مجهولة المصدر وبكميات كبيرة وتواتر سريع إلى حسابات شخصية يشكل “بيئة مثالية” لعمليات تبييض الأموال، حيث يمكن دمج عائدات أنشطة غير مشروعة ضمن “أموال التبرعات” للإفلات من رقابة الأبناك.
6. الإطار القانوني: خرق صارخ للقانون
تذكر الهيئة الوطنية (INCPAA) أن الأصل في جمع التبرعات هو المنع إلا بترخيص. هذه الممارسات تشكل انتهاكاً لترسانة قانونية واضحة:
-
القانون رقم 004.71 (التماس الإحسان العمومي): الذي يحصر حق جمع التبرعات في الجمعيات المؤسسة قانوناً بعد الحصول على ترخيص من الأمانة العامة للحكومة.
-
القانون الجنائي (الفصل 540): يكيف هذه الأفعال كجريمة “نصب واحتيال”، لاستخدام “مناورات احتيالية” لإيقاع الضحية وتسليم أموال.
7. التوصيات والمطالب الاستعجالية
بناءً على خطورة الوضع، ترفع الهيئة التوصيات التالية:
-
حظر نشر الحسابات الشخصية: نطالب النيابة العامة والأجهزة الأمنية بإصدار دوريات تمنع نشر أرقام الحسابات البنكية الشخصية (RIB) في نداءات التبرع العمومية، وحصرها في حسابات الجمعيات الخاضعة للرقابة.
-
التدقيق المالي (من أين لك هذا؟): الدعوة لفتح تحقيقات مالية معمقة في مصادر ثراء بعض “مؤثري العمل الخيري” الذين راكموا عقارات وسيارات فارهة في وقت قياسي يتناقض مع وضعهم المهني المصرح به.
-
التوعية الرقمية: تحذير المواطنين من إرسال أموال لأشخاص مجهولين عبر الإنترنت. التبرع يجب أن يكون عبر القنوات الرسمية لضمان وصوله لمستحقيه.
ختاماً: العمل الإحساني نبل وقيمة وطنية، ولا يجب السماح لـ “سماسرة المآسي” بتحويله إلى أصل تجاري ومصدر للريع الرقمي. الهيئة ستظل بالمرصاد لكل من يتاجر بآلام المغاربة.
“تنويه: هذا التقرير صادر عن لجنة الرصد بالهيئة لأغراض التنبيه والتوعية العامة. المعطيات الواردة فيه مبنية على رصد لنماذج عامة ولا تتهم أشخاصاً بعينهم ما لم تصدر في حقهم أحكام قضائية نهائية.”
“هل تعرضت لعملية نصب مشابهة؟ أو رصدت حساباً مشبوهاً؟ [بلغ عن حالة الآن].”
حرر بالرباط لجنة اليقظة والرصد – INCPAA جميع الحقوق محفوظة ©

